إخوان الصفاء
279
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
شخصها من جوف تلك الأنبوبة ، وتنبسط يمنة ويسرة تطلب مادة يغتذي بها جسمها ، فإذا أحست برطوبة ولين انبسطت إليه ؛ وإن أحست بخشونة أو صلابة انقبضت وغاصت في جوف تلك الأنبوبة حذرا من مؤذ لجسمها ومفسد لهيكلها ، وليس لها سمع ولا بصر ولا شمّ ولا ذوق إلّا اللّمس حسب . وهكذا أكثر الديدان التي تكون في الطين في قعر البحر وعمق الأنهار ليس لها سمع ولا بصر ولا ذوق ولا شم ، لأن الحكمة الإلهية لم تعط الحيوان عضوا لا يحتاج إليه في جرّ المنفعة أو دفع المضرة ، لأنه لو أعطاها ما لا تحتاج إليه لكان وبالا عليها في حفظها وبقائها . فهذا النوع حيواني نباتي لأنه ينبت جسمه كما ينبت بعض النبات ، ويقوم على ساقه قائما ؛ ومن أجل أنه يتحرك بجسمه حركة اختيارية فهو حيوان ، ومن أجل أنه ليس له إلّا حاسّة واحدة فهو أنقص الحيوانات رتبة ، وتلك الحاسّة أيضا هي التي يشاركها النبات ، وذلك أن النباتات لها حسّ اللّمس حسب . والدليل على أن للنبات حسّ اللمس هو إرساله عروقه نحو النهر والمواضع النّديّة ، وامتناعه عن إرسالها إلى ناحية الصخور واليبس ، وأيضا أنه إذا اتفق منبته في مضيق مال وطلب الفسحة ، وإن كان فوقه سقف يمنعه من الذهاب علوا ، وترك له ثقب من جانب ، مال النبات إلى تلك الناحية حتى إذا طال أخرج من هناك رءوسه . وهذه الأفعال تدل على أن له حسّا وتمييزا بمقدار الحاجة إليه . فأما حسّ الألم فليس للنبات ، وذلك لأنه ليس يليق بالحكمة الإلهية أن تجعل للنبات ألما ولم تجعل له حيلة الدّفع كما جعلت للحيوان ، وذلك أن الحيوان لما جعل له أن يحسّ بالألم جعل له أيضا حيلة الدّفع إما بالفرار والهرب أو بالتحرّز أو بالممانعة .